محمد بن أحمد الفاسي
20
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
الفقه للملك الأشرف شعبان ، صاحب مصر . ولم تجتمع هذه الوظائف لأحد قبله من قضاة مكة ، وبعضها لم يكن إلا في زمنه . واستمر على ولايته لجميع ذلك إلى أن مات ، إلا أنه صرف عن المدارس قبيل وفاته ، ولم يصل الخبر بذلك إلا بعد مماته . وكان السبب الأعظم في عزله عن المدارس : أنه منع القاضي زكى الدين الخروبى تاجر الخواص السلطانية بالديار المصرية ؛ إذ كان مجاورا بمكة في سنة خمس وثمانين وسبعمائة من تحصيب المسجد الحرام ، وقال له : لا يكون هذا إلا من مال السلطان ، يعنى : صاحب مصر . وعارضه أيضا في غير ذلك من مراده بمكة ، فشق ذلك على الخروبى كثيرا وأحب إيذاء المذكور ، وما وجد إلى ذلك سبيلا إلا من جهة المدارس بمكة ، وأمرها لصاحب اليمن . وكان إذ ذاك الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن مجاهد علي بن المؤيد داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول . وكان للخروبى عند الأشرف مكانة لقيامه بمصالحه في التجارة وغيرها بمصر . ولما عرف الأشرف رغبته في ذلك ، عزل المذكور عن ذلك . وكان قبل ذلك وشى إليه بعض الناس بهذا القاضي . فما قبل فيه قول الواشي ، وكتب إليه بخطه يقول له : أنت على نظرك وتدارسك ، لا يقبل فيك نقل ناقل ، كيف والقول فيه مكذوب . هذا معنى ما بلغني من كتابة الأشرف إلى القاضي . وكان يصل إليه من الأشرف صلة طائلة في موسم كل سنة ، بسبب خطبته له بمكة ، وقيامه بالهدى عنه بمنى ، وهدية يهديها القاضي إليه . وبلغني : أنه وصل إليه من الأشرف بسبب ذلك في بعض السنن سبعة وعشرون ألف درهم . وما ظفر بذلك من صاحب اليمن قاض بعده . وغاية ما ظفر به بعضهم نحو ثلث ذلك وأقل . ثم انقطع ذلك مع ما كان يصل لأمير مكة والمؤذنين ، وما جرت به العادة من مدة خمس سنين متوالية ، أولها : سنة أربع عشرة وثمانمائة ، لتغير صاحب اليمن الملك الناصر أحمد بن الأشرف على صاحب مكة .